الراغب الأصفهاني
79
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ولما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل : مسكن الفكرة وسط الدماغ « 1 » ، ومسكن الخيال مقدّمه ، ومسكن الحفظ والذكر مؤخّره . ولما كان قوام الدماغ بل قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس يعبّر عن هذه القوى تارة بالدماغ فيقال لفلان دماغ إذا قويت منه هذه القوى المدركة ، وفلان خالي الدماغ إذا ضغفت فيه هذه القوى . ويعبر عنها تارة بالقلب والثاني أكثر ، وعلى ذلك قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 2 » . ولما كان أكثر إدراك الحقائق « 3 » بهذه القوى المدركة ، وكانت الفكرة خادمة للعقل ، والتخيل خادما للعقل والفكر تارة ، وللسمع والبصر تارة خص اللّه
--> ( 1 ) مسألة أن القوة المفكرة في الدماغ أو في غيره تكلم فيها الفقهاء قديما ، فأحمد يرى أن العقل في الدماغ ، وكذلك أبو حنيفة ، ومالك والشافعي يريان العقل في القلب ، ولكل أدلته . وقد ترتب على هذا بعض الأحكام الفقهية فيما لو جرح أحد آخر جرحا أذهب عقله . وقد حاول ابن القيم الجمع بين الرأيين فرأى أن منشأ ذلك في القلب ونهايته مستقرة في الدماغ . وبحوث وظائف الأعضاء تري وجود العقل في الدماغ لما لاحظوه من تأثر بين أعضاء الجسم وبين الدماغ وأثر ذلك علي العقل ، على حين يرى بعض الفلاسفة الغربيين أن العقل والمخ شيىء واحد . انظر / ابن الجوزي / ذم الهوي / 5 تحقيق مصطفى عبد الواحد ، ابن القيم / التبيان في أقسام القران / 561 ، قصة الفلسفة دل ديورانت / 560 ، الكسيس كارل / الإنسان ذلك المجهول / 18 . عبد الرحمن الزيتدي / العقل ومجالاته / 34 ماجستير كلية الشريعة بالرياض / 1402 ه . ( 2 ) ق / 37 . قال ابن كثير لب يعي به ، وقال مجاهد عقل . مختصر ابن كثير / 3 / 378 . ( 3 ) في النسخة د « ولما كان إدراك أكثر الحقائق بهذه القوى الثلاثة القلب والسمع والبصر عظم اللّه المنة على الإنسان » وما بين ذلك مشطوب عليه ، ولعل مصححها رأى نسخة بها ذلك ، والمعنى واحد .